أشهر الحجّ وبعض ما يتعلق بها

الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أمّا بعد..
فهذه بعض المسائل المتعلّقة بأشهر الحجّ، وبأعمال الحجّ، نضعها بين أيدي القرّاء الكرام، لعلّ الله يجعل فيها نفعا كبيرا، وخيرا كثيرا..
السّؤال الأوّل: هل أشهر الحجّ هي الأشهر الحرم ؟
الجواب: أشهر الحرم أربعة: ثلاثة سرد ( أي: متتالية ): ذو القعدة، وذو الحجّة، ومحرّم، وواحد فرد، وهو رجب. ولم تأتِ كلّها متتالية ليكون محرّم أوّل الشّهور الهجريّة، ورجب أوسط الشّهور الهجريّة، وذو القعدة وذو الحجّة هما آخر الشّهور الهجريّة، فيكون عام المسلمين محاطا كلّه بالحرمات، وشرعهم كلّهم حرمات، قال تعالى:{ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ }[التّوبة:36].
أمّا أشهر الحجّ، فقد قال تعالى:{ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ }[البقرة:197]، فهي عند الجمهور: شوّال، وذو القَعدة، وعشر من ذي الحجّة فقط، وإنّما قال تعالى: ( أشهر ) لأنّ من أساليب العرب جبرَ العدد المكسور، وهذا قول ابن عبّاس رضي الله عنه والسدّي والشّعبي والنّخعي، ورواية عن مالك.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه، وابن عمر رضي الله عنه، وعطاء، ومجاهد، والزّهري: هي شوّال وذو القعدة وذو الحجّة كلّه، وهو المشهور من مذهب مالك، لأنّ الله تعالى جمع الأشهر.
السّؤال الثّاني: ما ثمرة الخلاف في كون ذي الحجّة كلّه شهر حجّ، أو عشرة أيّام منه فحسب ؟.
الجواب: فقد اتّفق العلماء على أنّ أشهر الحجّ تبدأ من أوّل شوّال، فللمسلم أن يُحرِم بالحجّ من أوّل يوم من شوّال، ولكنّهم اختلفوا في كون ذي الحجّة كلّه من أشهر الحجّ أو لا، وثمرة الخلاف في ذلك تظهر فيمن تأخّر بأداء بعض أعمال الحجّ، فلا يجب عليه دم عند الإمام مالك ومن قال بقوله، ويجب عليه دم عند الجمهور.
السّؤال الثّالث: لماذا سمّي ذو القعدة بهذا الاسم ؟
الجواب: ذو القَعْدَة-بفتح القاف- لا بكسرها كما هو مشهور، وكسرها قليل، بل هناك من أهل العلم من خطّأ لغة الكسر. قال ابن منظور رحمه الله في " لسان العرب ": ( ذو القعدة اسم الشّهر الذي يلي شوّالا، وهو اسم شهر كانت العرب تقعد فيه، وتحجّ في ذي الحجّة. وقيل: سمّي بذلك لقعودهم في رحالهم عن الغزو والميرة (1 ) وطلب الكلأ، والجمع ذوات القعدة ).
السّؤال الرّابع: هل يجب الحجّ على الفور ؟
الجواب: بغضّ النّظر عن اختلاف أهل العلم في المسألة الأصوليّة المشهورة: " هل الأمر يفيد الفور ؟ " فاعلم أنّه قد ثبت الدّليل على أنّ الحجّ يجب فور استطاعة العبد له، وهو ما رواه الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما عن ابن عبّاس رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: « تَعَجَّلُوا إِلَى الحَجِّ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لاَ يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ »(2).
ومن قال بأنّه على التّراخي إنّما بنى قوله ذاك على اعتبار أنّ الحجّ وجب في العام السّادس والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يأمر أبا بكر رضي الله عنه وكثيرا من الصّحابة بالحجّ إلاّ في العام التّاسع، والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم نفسُه لم يحجّ إلاّ في العام العاشر.
ولكنّ الصّواب أنّ الحجّ ما وجب إلاّ في العام التّاسع وبعضهم قال بالعام العاشر، وإنّما لم يحجّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم العام التّاسع-إن وجب حينه- فذاك لسببين:
السّبب الأوّل: أنّ العام التّاسع هو عام الوفود، والوفود قد بدأت بقلّة بعد صلح الحديبية، وكثرت بعد فتح مكّة، فكان لزاما على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يمكث بالمدينة ويتفرّغ لاستقبال الوفود.
السّبب الثّاني: أنّه ما زال يحجّ إلى البيت بعضُ المشركين، وما كان للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يجتمع مع المشركين في طوافه وسعيه وهم عراة يلبّون بالشّرك بربّ البريّة، رافعين أصواتهم بالوثنيّة. فأرسل أبا بكر رضي الله عنه ببيان عظيم من ربّ العالمين:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [التّوبة28].
فانطلق أبو بكر رضي الله عنه ومن معه من المسلمين في أعظم بعث في حياة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ أَنْ: لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ....
السّؤال الخامس: ما هي شروط وجوب الحجّ ؟ أي: من الذي يجب عليه الحجّ ؟
الجواب: شروط الحجّ خمسة: أربعة متّفق عليها، وشرط اختلفوا فيه. فالمتّفق عليها:
1-العقل: فلا يجب الحجّ على مجنون.
2-البلوغ: فلا يجب الحجّ على الصبيّ، وإن حجّ صحّ حجّه، ولكن إذا بلغ وجبت عليه حجّة أخرى، وذلك لما رواه البيهقي والحاكم والطّبراني في " الأوسط " عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: « أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ الحِنْثَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ عَتَقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى »(3)..
3-الحرّية: فلا يجب الحجّ على العبد، وإذا عَتَق وجبت عليه حجّة أخرى للحديث السّابق.
4-الاستطاعة: لقوله تعالى:{ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً }[آل عمران97] وتقييد الاستطاعة بالزّاد والرّاحلة فقط لا يصحّ، فمن الاستطاعة أمن الطّريق أيضا.
5-المَحْرَم للمرأة: ويمكن إدخال هذا الشّرط في الاستطاعة، ولكنّنا آثرنا تخصيصه بالذّكر لبعده عن ذهن كثير من النّاس.
واشتراط المحرم هو مذهب جمهور السّلف والخلف، وعليه الحنابلة والحنفيّة والشّافعيّة، أخذا بعموم الأدلّة التي تشترط المحرم في السّفر.. أمّا من اكتفى باشتراط الرُّفقة الآمنة كالمالكيّة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، فهو قول مصادم للدّليل، وإليك هذا الحديثَ الَذي رواه البخاري عن ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم يَخْطُبُ يَقُولُ: « لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ! » فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ:« انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ ».
تأمّل جيّدا هذا الحديث، ففيه تنفيرٌ ما بعده تنفير من سفر المرأة وحدها، وذلك من عدّة أوجه:
الوجه الأوّل: أنّ المرأة خرجت لأعظم سفر لها، ألا وهو الحجّ، الّذي اعتبره الشّرع جهادهنّ، فقد روى البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَلَا نَغْزُو وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ ؟ فَقَالَ: « لَكِنَّ أَحْسَنَ الْجِهَادِ وَأَجْمَلَهُ الْحَجُّ..حَجٌّ مَبْرُورٌ » فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَا أَدَعُ الْحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم . ومع ذلك منعها من السّفر وحدها
الوجه الثّاني: أنّ زوجها اكتُتِب في أعظم واجب ألا وهو الجهاد في سبيل الله، ومع ذلك، أمره أن يترك هذا الواجب، ويلحق بزوجه .. فانظر إلى أعذار النّاس اليوم !!
الوجه الثّالث: لم يكن معهودا أن تسافر المرأة وحدها أبدا، بل نقطع أنّها خرجت في رفقة .. وهي آمن رفقة على وجه الأرض حينئذ: أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم .. ومع ذلك فقد أمر الزّوج باللّحاق بها.
الوجه الرّابع: من المقرّر لدى أهل العلم أنّ ( ترك الاستفصال في حكاية الحال ينزل منزلة العموم في المقال )، وفي هذه الحادثة، نرى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما استفصل عن وجود الرّفقة أو عدمها، فيحمل النّهي على العموم.
فأيّما امرأة لم تجد المحرم، فإنّها تعتبر غير مستطيعة، وذرء المفاسد أولى من جلب المصالح.
هذه شروط وجوب الحجّ، والله أعلم.
السّؤال السّادس: ما حكم العمرة ؟
الجواب:العمرة معناها في اللّغة الزّيارة، وفي الشّرع: زيارة بيت الله تعالى بقصد التعبّد. وقال باستحباب العمرة المالكيّة والحنفيّة ؟!.. والصّحيح أنّها فرض كالحجّ، لدليلين:
1- حديث جبريل المشهور، ففي بعض الرّوايات قال: ما الإسلام ؟ قال صلّى الله عليه وسلّم: « الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ..-حتّى قال-:وَأَنْ تَحُجَّ البَيْتَ وَتَعْتَمِرَ..»(4).
2- ما رواه أبو داود والنّسائي عَنْ الصُّبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ قال: أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا، وَإِنِّي أَسْلَمْتُ، وَأَنَا حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ، وَإِنِّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ..وَإِنِّي أَهْلَلْتَ بِهِمَا مَعًا فَقَالَ لِي عُمَرُ رضي الله عنه: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ صلّى الله عليه وسلّم".(5)
السّؤال السّابع: ما أفضل أنواع الحجّ ؟
الجواب:الحجّ أنواع ثلاثة، الإفراد، والإقران، والتمتّع.
فالإفراد : هو أن يهلّ بحجّة، حتّى إذا أتمّ المناسك، عاد إلى الميقات، ولبّى بعمرة، فيكون قد أتى بحجّه مفردا، وبعمرته مفردة، فلا يجب عليه شيء، ولذلك هو أفضل أنواع الحجّ عند المالكيّة والشّافعيّة.
والإقران: هو أن يجمع المحرم بين الحجّ والعمرة في إحرام واحد، فيقول: لبّيك اللهمّ حجّا وعمرة.. فيجمع بين مناسك الحجّ والعمرة، فيهلّ بهما من الميقات مرّة واحدة، ويسعى سعيا واحدا.. لذلك سمّي إقرانا بمعنى الجمع. وهذا يجب فيه دم، أي:ذبح شاة ( هدي )، لأنّه طاف طوافا واحدا ولأنّه لم يُهلّ بإحدى العبادتين من الميقات، الخ .. ومع ذلك فقد فضّل الحنفيّة هذا النّوع، لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم حجّ قارنا كما في السنّة الصّحيحة.
والتمتّع: هو أن يُلبّي ويحرم بعمرة في أشهر الحجّ، وبعد انتهائه من عمرته يحلّ، فيلبس ثيابه، ويقرب نساءه، ويبقى بمكّة حتّى إذا كان يوم التّروية-وهو اليوم الثّامن من ذي الحجّة-أهلّ بحجّة من بيته، ويؤدّي مناسك الحجّ.
وهذا يجب عليه دم ( هدي ) أيضا، مع أنّه أتى في الظّاهر بجميع مناسك العمرة على حدة، وبجميع مناسك الحجّ على حدة، وإنّما وجب عليه الهدي لأنّه لم يحرم من الميقات كما هو واضح. وهذا النّوع هو أفضل أنواع الحجّ لدى الحنابلة، بل إنّ بعض العلماء أوجبه.
والصّحيح أنّ التمتّع إن لم يكن واجبا فهو أفضل أنواع الحجّ، وذلك لوجوه كثيرة قد ذكرها ابن القيّم رحمه الله تعالى في "زاد المعاد"، والشّيخ الألباني رحمه الله في "صفة حجّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم " و"الإرواء" (4/182-183).
السّؤال الثّامن: هل يُكره للمحرم أن يستر نفسه من حرّ الشّمس ؟
الجواب: كما تكثر في موسم رمضان عدّة صور تدلّ على تورّع النّاس من كثير من الأشياء المباحة، كذلك نراهم في موسم الحجّ، ومن جملة الأشياء التي يظنّ النّاس أنّها منافية للعبادة التوقّي من الشّمس، وقد يستندون في ذلك على ما رواه البيهقي رحمه الله عن نافع قال: أبصر ابن عمر رضي الله عنه رجلا على بعيره وهو محرم قد استظلّ بينه وبين الشّمس فقال له: ( اِضْحَ لِمَنْ أَحْرَمْتَ لَه )"(6).
وهذا الأثر صحيح (7)، ولكن قد عارضه:
1- حديث جابر الطّويل في صفة حجّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وفيه: « أَنَّ النَبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم أَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنَ شَعَرٍ، فَضُرِبَتْ لَهُ بنَمِرَة، فَنَزَلَ بِهَا » [رواه مسلم وغيره].
2- حديث أمّ الحصين رضي الله عنها قالت:" حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم حَجَّةَ الوَدَاعِ، فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلاَلاً أَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخُطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم، وَالآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ " [رواه مسلم وأبو داود وغيرهما].
بل إنّ من النّاس من يتأثّم ويتحرّج من حكّ شعر رأسه إذا غسله، وإلى أصحاب هذا الورع البارد ما يلي:
- روى البخاري ومسلم عن أبي أيّوب الأنصاري وابن عبّاس رضي الله عنهما: « أنّه صلّى الله عليه وسلّم غسل رأسه وهو محرم وحرّك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر »..
- وما أحسن ما رواه البيهقي (5/213): قال رجل لابن عبّاس رضي الله عنه: أحكُّ رأسي وأنا محرم ؟ قال: فأدخل ابن عبّاس رضي الله عنه يده في شعره، وحكّ بها رأسه حكّا شديدا وقال:" أمّا أنا فأصنع هكذا " فقال الرّجل: أرأيت إن قتلت قملة ؟ فقال له ابن عبّاس رضي الله عنه:" بعُدْت ! ما للقملة ؟! ما إيّاها أردت، وما نُهِيتم إلاّ عن قتل الصّيد .(8)
وما أجمل ما رواه الشّافعي رحمه الله (996) عن ميمون بن مهران:" كنت عند ابن عبّاس رضي الله عنه فسأله رجل فقال: أخذت قملة فألقيتها، ثمّ طلبتها فلم أجدها ؟ " فقال له: "تلك ضالّة لا تُبتغى" [صحيح كما في " الإرواء"].
السّؤال التّاسع: ما هي المحرّمات على المُحرم ؟
الجواب : اعلم أنّ المحرّمات نوعان: نوع يأثم الحاجّ لفعله متعمّدا، ويلزمه جبره بفدية ( ذبح أو إطعام أو صيام )، ونوع يُبطل الحجّ، وحينئذ يجب إتمامه ثمّ قضاؤه في العام القابل.
- ما لا يُبطل الحجّ ويُجبر بدم: نوعان :
أ- ترك واجب من واجبات الحجّ: كالإحرام من الميقات، والمبيت بمزدلفة ومنى..
ب- فعل محرّم وهي: لبس اللّباس المخيط ( القميص، والسّراويل، والخفّ ).
والطّيب (في البدن والثّوب).
وحلق الرّأس أو نتفه عمدا.
الصّيد (سواء باشره أو أمر به أو أعان عليه ).
مباشرة عقد النّكاح له أو لغيره.
الجماع قبل التحلّل الثّاني ( وسنوضّح-إن شاء الله- معنى التحلّل الأوّل والثّاني ).
فقد روى البيهقيّ عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال فيمن وقع على امرأته قبل التّقصير:" عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك".(9)
فأيّ فعل من هذه لا يُبطل الحجّ، ولكن يجب له فدية من صيام أو صدقة أو نسك.
- ما يبطل الحجّ ويفسده، ويجب عليه إتمامه وقضاؤه فورا مع الفدية [بدنة أو سبعٌ من الغنم]، والمُبطلات نوعان أيضا:
أ- ترك ركن من أركان الحجّ، وهي:النيّة مع الإحرام، والطّواف، والسّعي بين الصّفا والمروة، والوقوف بعرفة، والحلق أو التّقصير.
ب- الجماع قبل التّحلّل الأوّل، ومعنى التحلّل الأوّل أن يفعل المحرم اثنين من ثلاثة أشياء:
الطّواف، والحلق، والرّمي، فمتى فعل اثنين من هذه الثّلاثة حلّ له كلّ شيء كان قد حَرُم عليه إلاّ النّساء.
فإذا فعل الثّالثة حلّ له كلّ شيء حتّى النّساء. هذا على مذهب أكثر أهل العلم.
ومنهم من قال: إنّ التحلّل الأوّل يحصل بمجرّد الرّمي، ولو لم يكن معه حلق، وهو الصّحيح، واختاره ابن حزم في "المحلّى"(10) ،وقال: " وهو قول عائشة، وابن الزّبير، وطاوس، وعلقمة، وخارجة بن زيد بن ثابت ".
والدّليل على ذلك ما رواه أحمد والنّسائي وابن ماجه عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال: " إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ ".
وقد يقول قائل: هذا رأي لابن عبّاس، فنقول: ولكنّه رفعه إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، روى أحمد عن ابن عبّاس رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ: « إِذَا رَمَيْتُمْ الجَمْرَةَ؛ فَقَدْ حَلَّ كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءَ »(11) .
وروى الطّحاوي (12) عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( كنت أطيِّبُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا رمى جمرة العقبة قبل أن يُفيض، فسنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحقّ أن يؤخذ بها من سنّة عمر رضي الله عنه "(13).
هذا ووفّقنا الله وجميع المسلمين لمرضاته، ودخول جنّاته، والفوز بالنّظر إلى وجهه الكريم سبحانه، والحمد لله أوّلا وآخرا، وباطنا وظاهرا، وصلّى الله على محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.


[1] الميرة هي جلب الطّعام شراءً أو بيعاً، ومنه قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف:{هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا } [يوسف:65].
[2] [صحيح كما في " الإرواء " (4/168)].
[3] وسنده صحيح كما في "الإرواء" (4/156).
[4] [أخرجه ابن خزيمة كما في "صحيح التّرغيب" ].
[5 " الإرواء " (4/153)].
[6] من ضَحَى يَضْحى ضحاء بالفتح والمدّ- كسعى يسعى، أي: برز، وضَحِي للشّمس أيضا: أي برز لها، ومنه قوله تعالى:{)وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى} [طـه:119].
[7] كما في "الإرواء"(4/200)
[8]قال الشّيخ الألباني:"إسناده جيّد" [الإرواء (4/220)].
[9] [الإرواء (4/233].
[10] "المحلّى" (7/139).
[11] "الصّحيحة" برقم (239)
[12] " شرح معاني الآثار " (1/421).
[13] " إرواء الغليل " (4/420).

0 التعليقات:

إرسال تعليق